أحمد بن محمد المقري التلمساني

324

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

مجتمعا ، وإذا فاه أضحى كلّ شيء مستمعا ، تكتحل منه مقل المجد ، وتنتحل المعالي أفعاله انتحال ذي كلف بها ووجد ، لو تفرّقت في الخلق سجاياه لحمدت الشّيم ، ولو استسقيت بمحيّاه لما استمسكت الديم ، ودعي للقضاء فما رضي ، وأعفي عنه فكأنه ما استقضي ، لديه تثبت الحقائق ، وتنبت العلائق ، وبين يديه يسلك عين الجدد « 1 » ، ويدع اللّدد اللّدد « 2 » ، وله أدب إذا حاضر به فلا البحر إذا عصف ، ولا أبو عثمان « 3 » إذا وصف ، مع حلاوة مؤانسة تستهوي الجليس ، وتهوي حيث شاءت بالنفوس ، وأمّا تحبيره وإنشاؤه ، ففيهما للسامع تحييره وانتشاؤه ، وقد أثبتّ له بدعا ، يثني إليها الإحسان جيدا وأخدعا ، فمن ذلك قوله في منزل حلّه متنزها : [ البسيط ] يا منزل الحسن أهواه وآلفه * حقا لقد جمعت في صحنك البدع للّه ما اصطنعت نعماك عندي في * يوم نعمت به والشمل مجتمع وحلّ منية صهره الوزير أبي مروان بن الدب بعدوة إشبيلية المطلّة على النهر ، المشتملة على بدائع الزهر ، وهو معرّس ببنته ، فأقام بها أياما متأنّسا ، ولجذوة السرور مقتبسا ، فوالى عليه من التّحف ، وأهدى إليه من الطّرف ، ما غمر كثرة ، وبهر نفاسة وأثرة ، فلمّا ارتحل وقد اكتحل من حسن ذلك الموضع بما اكتحل ، كتب إليه : [ البسيط ] قل للوزير وأين الشكر من منن * جاءت على سنن تترى وتتّصل « 4 » غشيت مغناك والروض الأنيق به * يندى وصوب الحيا يهمي وينهمل وجال طرفي في أرجائه مرحا * وفق اجتيازي يستعلي ويستفل ندعو بلفتته حيث ارتمى زهر * عليه من منثني أفنانه كلل « 5 » محلّ أنس نعمنا فيه آونة * من الزمان وواتانا به الأمل وحلّ بعد ذلك متنزها بها على عادته ، فاحتفل في موالاة ذلك البرّ وإعادته ، فلمّا رحل كتب إليه : [ مجزوء الكامل ]

--> ( 1 ) في ه : « يسلك من الحق الجدد » والجدد ، الأرض المستوية . ( 2 ) في ه : « ويدع الألد اللدد » واللدد : الخصومة . ( 3 ) أبو عثمان : أراد به الجاحظ عمرو بن بحر أمير النثر في العربية . ( 4 ) تترى : من الفعل : وتر : أي قتل حميمه ، أدركه بمكروه . ( 5 ) الكلل : الستائر .